ابن تيميه

207

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

علمه النزاع وهو مخطئ في هذا الظن لا مصيب . ومن علم حجة على من لم يعلم ، والمثبت مقدم على النافي . الوجه التاسع : إن دعوى الإجماع من علم الخاصة الذي لا يمكن الجزم فيه بأقوال العلماء ، إنما معناها عدم العلم بالمنازع ، ليس معناها الجزم بنفي المنازع ، فإن ذلك قول بلا علم ، ولهذا رد الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما على من ادّعاها بهذا المعنى ، وبسط الشافعي في ذلك القول ، وأحمد كان يقول هذا كثيرا ، ويقول : من ادعى الإجماع فقد كذب ، وما يدريه أن الناس لم يختلفوا ؟ ولكن يقول : لا أعلم مخالفا . وأبو ثور قال : إن الذي يذكر من الإجماع معناه أنا لا نعلم منازعا ، ثم ما يعرف من ادعى الإجماع في هذه الأمور إلا وقد وجد في بعض ما نذكره من الإجماعات نزاعا لم يطّلع عليه ، كما قد بسط الكلام على هذا في مواضع . فإذا كان هذا في ادّعاء العلماء الأكابر فكيف بما يدّعيه هذا المعترض من الإجماع ، وهو من حين ادعائه الإجماع في هذه المسألة المتنازع فيها - وهو السفر إلى غير المساجد الثلاثة - فجعل السفر لمجرد زيارة القبور أمرا مجمعا عليه وإن من قال بخلاف ذلك فقد تنقّص الأنبياء وجاهرهم بالعداوة ؟ والإجماع من علماء المسلمين إنما هو على خلاف ما ظنه هو وأمثاله ممن يتحكمون في الدين بلا علم ، فإنهم مجمعون على أن قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد » متناول لشد الرحال لزيارة القبور ، ثم تنازعوا هل موجب الحديث النهي والتحريم أو موجبه نفي الفضيلة والاستحباب ؟ فمن قال إنه يستحب شدّ الرحال إلى غير الثلاثة كزيارة القبور ؛ فهذا هو الذي خالف الإجماع بلا ريب ، مع مخالفته للرسول صلى اللّه عليه وسلّم ، فهو ممن خالف الرسول والمؤمنين واتبع غير سبيلهم ، لكن إذا لم يكن قد تبين له الهدى عرف ما قاله الرسول صلى اللّه عليه وسلّم والمؤمنون لم يكفر ، فإن اللّه إنما ألحق الوعيد بمن شاق الرسول من بعد ما تبيّن له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين ، فقد توعّده بأنه يولّيه ما تولّى ويصليه جهنم وساءت مصيرا . ومن قال : إن السفر إلى غير الثلاثة كزيارة القبور مستحب ، فقد خالف الرسول صلى اللّه عليه وسلّم وخالف علماء أمته . وأما السفر إلى مسجده صلى اللّه عليه وسلّم فهو سفر إلى أحد المساجد الثلاثة ليس مما نهى عنه ، وإذا فعل في مسجده ما شرع من الزيارة الشرعية وصلى عليه وسلم كما أمر اللّه وعلّم فهو محسن في هذه الزيارة ، كما كان محسنا في شد الرحل إلى مسجده ، وهذا هو الذي أجمع عليه المسلمون أيضا ، كما أجمعوا أنه لا تشدّ الرحال لمجرد زيارة القبور ، فذاك الإجماع على شدها إلى مسجده وزيارته الشرعية حق ، وهذا الإجماع على أنه لا يستحب شد الرحال إلى غير الثلاثة حق ، وكلا الإجماعين معه نص عن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم . والعالم من اتبع هذا وهذا ، ليس هو من